![]() مات دنهام/و ب أ بول/غيتي إيمدجز -- القادة الأفغان والغربيون يجتمعون في لندن لمناقشة الأزمة الأفغانية. |
شكل مؤتمر لندن الذي خُصص لأفغانستان، الخميس الماضي 28 يناير/كانون الثاني، نقلة مهمة جديدة في جهود حل الأزمة الأفغانية. فقد تبنى سياسة مد يد "غصن الزيتون" إلى حركة طالبان إذا نأت بنفسها عن تنظيم القاعدة وقدّم عروضاً سخية إلى المتمردين الذين يتخلون عن العمل المسلح ضد الحكومة الأفغانية وقوات التحالف، وتعهّد بمنحهم عفواً والتزم إيجاد فرص عمل لهم ودعمهم ماليا.
وأقر المؤتمر، الذي شاركت فيه أكثر من 70 دولة ومؤسسة دولية، خطة أعلنها الرئيس الأفغاني حامد كرزاي لإعادة دمج مقاتلي طالبان الذين يوافقون على إنهاء تمردهم، ووعد بدعم مالي سخي قُدّر بـ 140 مليون دولار لتمويل السنة الأولى من هذه الخطة.
وستكشف الشهور المقبلة مدى النجاح الذي يمكن أن تحققه خطة كرزاي، المدعومة دولياً، في دفع مقاتلي طالبان إلى التخلي عن سلاحهم والاندماج مجدداً في المجتمع الأفغاني. وربما تبدأ الصورة تتضح أكثر خلال فصل الربيع الذي يُعرف بـ "فصل المعارك" عادة في أفغانستان كون ذوبان الثلوج يسمح بحرية حركة أكبر للمتمردين لشن هجماتهم.
وحاولت طالبان اعتماد تكتيك "هجمات الربيع" خلال السنوات القليلة الماضية، ونجحت فعلاً في تصعيد عملياتها، خصوصاً في ولايات البشتون في الجنوب والجنوب الشرقي. لكن قوات التحالف الغربي لجأت خلال السنتين الماضيتين تحديداً إلى ضمان حرمان طالبان من قدرتها على الاستعداد استعداداً جيداً لـ "هجمات الربيع"، فكانت تبادر إلى شن هجمات استباقية على تجمعات الحركة الأفغانية، خصوصاً في ولايتي هلمند وقندهار، معقلي طالبان الأساسيين في الجنوب. وأرغمت هذه الهجمات الاستباقية، على ما يبدو، طالبان على تغيير تكتيكاتها، فصارت تلجأ إلى تصعيد الهجمات بعبوات ناسفة أو من خلال أشخاص يفجّرون أنفسهم عوضا عن شن هجمات لاحتلال مناطق والسيطرة عليها.
ويُتوقع أن تتصاعد وتيرة المعارك بشكل كبير عما كان يحصل في السابق، مع وصول الزيادة التي وعد بها الرئيس باراك أوباما في عدد القوات الأميركية وهي 30 ألف جندي إضافي. ويأمل قائد القوات الأميركية وقوات الناتو في أفغانستان، الجنرال ستانلي ماكريستال، في أن تساعده هذه الزيادة على تأمين عدد كاف من الجنود، ليس فقط لتطهير تجمعات سكانية في الجنوب من نشاط طالبان، بل أيضاً للبقاء فيها وضمان عدم عودة طالبان إليها.
ومن شأن مثل هذا الأمر أن يُطمئن المواطن الأفغاني العادي إلى أنه لن يدفع ثمن تعاونه مع الحكومة، إذ أن القوات الأجنبية ستحميه من انتقام طالبان التي كان مقاتلوها سرعان ما يعودون إلى مناطق الجنوب بمجرد أن تغادرها القوات الأجنبية. وكانت هذه القوات تملك عدداً كافياً من الجنود يسمح لها بكسب المعركة ضد طالبان ولكن ليس للبقاء في المناطق التي يتم طرد الحركة الأفغانية منها. وستشهد هذه السنة جهداً كبيراً لتعزيز قدرات قوات الأمن الأفغانية من خلال تدريب آلاف من العناصر الجديدة في الجيش والشرطة وتسليمهم مسؤولية أمن بعض المديريات في عدد من الولايات، ربما مع حلول نهاية هذه السنة.
وإضافة إلى مد يد السلام إلى مقاتلي طالبان الذين يوافقون على إلقاء السلاح وينأون بأنفسهم عن تنظيم القاعدة، كان لافتاً في الأيام القليلة الماضية ما نُقل عن زعماء قبيلة شينواري البشتونية في الشرق الأفغاني في شأن موافقتهم على مساندة الحكومة الأفغانية وتعهدهم بالتصدي لعناصر طالبان إذا جاؤوا إلى مناطقهم. وجاء موقف زعماء هذه القبيلة، التي تعد نحو 400 ألف نسمة، بعدما قام قادة في طالبان بتصرفات أثارت حنقهم، بما في ذلك خطف مهندسين كانوا يبنون سداً في مشروع حكومي.
وسينال زعماء القبيلة مباشرة من القيادة الأميركية مبلغ مليون دولار للقيام بمشاريع تنمية في مناطقهم، من دون الحاجة إلى أن تمر الأموال عبر السلطات الأفغانية المحلية، كما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز في تقرير مؤرخ في 28 يناير/كانون الثاني. ويُذكّر موقف القبيلة بوقوف زعماء العشائر السنية في العراق إلى جانب الحكومة العراقية والقوات الأميركية قبل سنوات قليلة، وهو أمر ساهم إلى حد كبير في تفكيك بنية تنظيم القاعدة في تلك البلاد. وجاء وقوف زعماء العشائر العراقية ضد تنظيم القاعدة بعدما استاءوا من تصرفات التنظيم، كما يبدو أنه يحصل حالياً مع قبيلة شينواري الأفغانية.
لكن متابعين لشؤون أفغانستان يحذّرون من أن موقف زعماء القبيلة ربما لا يضمن وقوف جميع أفراد قبيلتهم إلى جانبهم، ويشيرون إلى أن تركيبة القبائل في أفغانستان شهدت تفككاً للسلطة التقليدية لزعمائها بفعل الحروب الأهلية التي تشهدها البلاد في شكل متواصل منذ 30 عاماً.
في غضون ذلك، تواصل الحكومة الأفغانية، كما يبدو، سياسة مد اليد إلى قيادة طالبان، إلى جانب مد اليد إلى عناصرها. وسرت أنباء لافتة في هذا الإطار عن دخول الأمم المتحدة بدورها على هذا الخط. وأجرت حكومة الرئيس كرزاي اتصالات مباشرة خلال العامين الماضيين مع قادة بارزين في طالبان مرتبطين بقيادة "شورى كويتا" في باكستان. وتفيد تقارير إعلامية أن زعيم طالبان الملا محمد عمر وبعض قادته يتخذون منها مقراً لنشاطهم، وهو أمر تنفيه حكومة باكستان. لكن تلك الاتصالات لم تؤد إلى إقناع الملا عمر بوقف حربه ضد الحكومة الأفغانية أو إصراره على مغادرة القوات الأجنبية، التي يعتبرها "قوة احتلال".
لكن رفض الملا عمر لا يعني أن جميع قادة حركته يوافقونه رأيه هذا. فكثيرون منهم يعرفون بلا شك أن استمرار القتال يعني أن قبائل البشتون - التي تشكل أكبر مجموعة عرقية في أفغانستان ومنها تستمد طالبان غالبية عناصرها - تواجه خطر حرب استنزاف تهدد بأن تؤدي إلى عواقب غير محمودة، من بينها مواجهات بين البشتون أنفسهم، قسم مع الحكومة وقسم آخر مع طالبان.
كما يعرف هؤلاء القادة أيضاً أن مناطق البشتون ستتعرض لمزيد من الدمار وستشهد تراجعاً كبيراً في التنمية فيها، في حين ستشهد المجموعات العرقية الأفغانية الأخرى (طاجيك وأوزبك وهزارة) مزيداً من الازدهار والنمو، الأمر الذي يمكن أن يؤدي مع مرور الوقت إلى تغيير في موازين القوى في المجتمع الأفغاني والذي لن يكون في مصلحة البشتون.
وليس واضحاً حتى الآن إذا كانت الاتصالات التي تردد أن موفد الأمم المتحدة إلى أفغانستان، النرويجي كاي ايدي، أجراها مع قادة في شورى كويتا في دبي الشهر الماضي شملت هذا النوع من القادة الذين يسعون إلى وقف القتال. لكن لا يبدو أن تلك الاتصالات جرت بمعرفة الملا عمر، بدليل مسارعة الحركة إلى نفي حصولها، إلا إذا كان هناك من في شورى كويتا يخطط للانفصال عن قيادة الملا عمر. ولا شك أن هناك من يعتقد من ضمن الحلقة القريبة المحيطة بالملا عمر بضرورة التوصل إلى تسوية مع حكومة كرزاي ما دام الهدف الأساسي التي يسعى إليه المتمردون، وهو خروج "الاحتلال" الأجنبي، سيتحقق بدليل إعلان كل الدول الأجنبية رغبتها في الانسحاب متى ما سنحت الفرصة الملائمة وتوافرت شروط ذلك.
وليس واضحاً بعد موقف قيادة شورى كويتا من موضوع نشاط تنظيم القاعدة في أفغانستان، في حال توصلت إلى اتفاق مع الحكومة الأفغانية. لكن اللافت أن تنظيم أسامة بن لادن ينشط في مناطق جنوب شرقي أفغانستان، حيث معقل شبكة حقاني، وليس في ولايات الجنوب، حيث معقل طالبان - شورى كويتا. ونظرياً تُعتبر شبكة حقاني جزءًا من طالبان، لكن امتدادها في باكستان يقع في داخل الحزام القبلي البشتوني، لاسيما شمال وزيرستان. في حين أن امتداد طالبان في الجنوب (مثل ولايتي هلمند وقندهار) هو في إقليم بلوشستان الباكستاني (والذي عاصمته كويتا).
يبدو أن أموال التبرعات لتنظيم القاعدة قد نضبت وخصوصا بعد وفاة أسامة بن لادن وقيام ثورات الربيع العر...
شارك في النقاش